-->

تــحــلــيـل نموذج مسرحي (2) "رابعة وربيع والرحلة المشؤومة " – عبد الكريم برشيد




 تــحــلــيـل نموذج مسرحي (2) "رابعة وربيع والرحلة المشؤومة  " – عبد الكريم برشيد

إذا كان المسرح قديم قدم الحضارات الإنسانية العريقة كالحضارة اليونانية والرومانية والفرعونية... فإنه لم ينشأ – بشكله الفني الحديث- في الحياة الثقافية العربية إلا في النصف الثاني من القرن (19ن)، نتيجة الاحتكاك الثقافي مع المسرح الأوربي. أما الثقافة المغربية، فإن هذا الفن لم يظهر إلا في بداية الثلاثينيات، هذا إذا استثنينا – حسب الباحث المسرحي المغربي حسن المنيعي- بعض القوالب/ أو الأشكال ما قبل المسرحية مثل: البساط، والحلقة، وسلطان الطلبة، وبوجلود، وعبيدات الرمى... لكن في مرحلة ما بعد الاستقلال ستتنوع الأعمال الفنية المسرحية ما بين الترجمة والتأليف والاقتباس، وسيتزايد عدد الكتاب والممثلين والمخرجين، كما ستتنوع الفرق والأشكال المسرحية، والتي نذكر منها المسرح الاحتفالي، وهو مسرح أصيل، يشتغل على التراث الثقافي المغربي، ويستفيد من كل أشكال التمسرح الشعبي، والفرجات التلقائية التي تتميز بها بعض الاحتفالات الجماعية التي تقام في مناسبات مختلفة. ويعد عبد الكريم برشيد رائد هذا الشكل المسرحي في بلادنا، لما له من بحوث ودراسات وأعمال جادة في هذا المجال نذكر منها: "امرؤ القيس في باريس"، و"ابن الرومي في مدن الصفيح"، ثم "عطيل والخيل والبارود"، وهو العمل الذي اقتطف منه هذا النص الذي يبدو – بالنظر إلى عدد من المؤشرات (كصاحبه، ومصدرهن وشكله الطباعي..)- نصا مسرحيا احتفاليا بامتياز.إذن، فإلى أي حد مثل هذا النص مقومات النص المسرحي؟ وإذا كان النص عبارة عن نص مسرحي، فما مظاهر الصراع التي يعكسها؟ ثم ما طبيعة القضايا التي يتناولها بين طياته؟

جرد الأحداث: تبدأ المسرحية بانهماك رابعة وربيع في محاولة تدريب (بروفة)، ويبدو أن الممثلين غير راضين عنها، وعن أوضاعها الاجتماعية، بالرغم من كونهما كفاءتين فنيتين. بعد ذلك يستعرض الممثلان تفاصيل رحلتهما المسرحية المشتركة، والتي شملت ثلاث محطات:

ü      في المحطة الأولى: تم تقديم أول مسرحية، وكان مصيرها الفني مشؤوما (غضب الجمهور، مزق الكراسي، نهب الشباك، شنق المدير).

ü      في المحطة الثانية: تم عرض ثاني للمسرحية، وكان مصيرها الفني مشؤوما أيضا ( تكسرت ساق الممثل اليمنى وسقط على الأرض).

ü      في المحطة الثالثة: كان العرض الأخير، ومرة أخرى كان مصيره مشؤوما (غضب الممثلين والجمهور، انهال الجميع على المدير ضربا حتى فقد وعيه).

وفي الختام، يختلف الممثلان في تقويم حصيلة رحلتهما المسرحية، ويتباين تقديرهما للنتائج المترتبة عنها، حيث تكشف رابعة عن تجليات الفشل والنحس في كل العروض المسرحية الملقاة، وتحمل مسؤولية ذلك إلى ربيع، بينما يبرئ هذا الأخير نفسه، وينأى بها عن كل ما جرى. وهكذا يظل الاختلاف في الرؤية / أو التصور هو سيد الموقف بين الطرفين.

بالانتقال إلى الخصائص الفنية المميزة للنص، وما يترتب عنها من وظائف، أمكننا البدء بدراسة مستوى (شخصيات النص)، وبهذا الخصوص يمكن الحديث عن شخصيتين أساسيتين: (رابعة وربيع) وهما من قاما بهذه الرحلة الفنية المشؤومة، واضطلعا بأدوار رئيسية في النص. يحملان مجموعة من الخصائص والسمات المشتركة (الفقر، البطالة، العمل المسرحي) لكنهما يختلفان في أخرى (الموقف من الرحيل عبر المسارح، المزاج، التصور الفكري، الموقف من الرحلة المسرحية). وإلى جانبهما توجد شخصيات ثانوية كـ : (المخرج، والجمهور، والمدير، والممثل المسكين...)، وتنحصر أدوارهما في مساعدة أو إعاقة حركة البطلين. وهذا الأمر يقودنا إلى إمكانية الإحاطة بمختلف القوى الفاعلة في النص، وتحديد أدوارها ووظائفها وعلاقاتها، وذلك من خلال الخطاطة العاملية التالية:

الــمـرسـل:(التمثيل، الحالة الاجتماعية المتردية)

الــمـوضــوع: ( القيام برحلة فنية ناجحة)

الــمـرسل إلـيـه: ( الجمهور)

الـمـسـاعــد: (الرغبة، الإمكانيات الفنية الذاتية)

الــــذات :(رابعة وربيع)

الــمـعــارض: (المدير، الشؤم ...                                                               

أما بخصوص المكان، فيبدو أن " خشبة المسرح " هي المكان الرئيسي في النص، وهي ما يحتضن العروض الثلاثة التي تخللت الرحلة الفنية المشؤومة. وهذا يعني أن "المكان" يحضر في النص بالمعنى التشخيصي – التمثيلي للكلمة، وليس بالمعنى السردي- التخييلي. ومن ثم فهو يحمل دلالة فنية ترتبط بطبيعة النص المسرحي بوصفه مشروع عرض. أما وظيفته فتكمن في كونه يمثل المجال الذي يجري فيه الحوار، ويتحرك الممثلون، كما أنه يوهم القارئ بواقعية الأحداث المسرحية. ومن المؤشرات الدالة على المكان نجد: ( الصالة، السراديب المظلمة، مسرحك) وهي مجرد أمكنة ثانوية.

أما الزمن فيتمثل في (الماضي)، ومن المؤشرات الدالة على ذلك قول رابعة مخاطبة ربيع: (أول مسرحية قدمتها غضب الجمهور أبرق وأرعد وأمطر الصالة شرا.مزق الكراسي، نهب الشباك...). فلعلنا نلاحظ أن " زمن الأفعال الواردة في هذا المقطع هو الماضي.

أما فيما يخص الأسلوب واللغة، فيمكن رصد أبرز مقوماتها وخصائصها، ووظائف كل ذلك، كما يلي:

كونها ذات طابع حواري: وهذا أمر طبيعي، لأن الحوار هو الأسلوب الذي يهيمن في النص المسرحي، وهو حوار خارجي، يدور بين طرفين مستقلين، وذلك على طول وامتداد النص. وتكمن وظائفه في كونه: يطور الحبكة المسرحية، ويكشف عن صور الشخصيات وبورتريهاتها، ويشرح الوقائع وتبيانها، وشد انتباه القارئ إليها.

كونها ذات طابع صراعي: وهذا شيء طبيعي، لكون الصراع الدرامي من صميم النص المسرحي، وهو يسم طبيعة العلاقة التي تربط بين الشخصيتين الرئيسيتين في النص، كما أنه صراع خارجي يحتد بين طرفين مستقلين، ويتخذ في النص شكلا فكريا / ثقافيا، لأن (رابعة) تميل إلى تفسير فشل الرحلة تفسيرا خرافيا، فهي تسمها بالشؤم والنحس. أما (ربيع) فيبدو- إلى حد ما- واقعيا وعقلاني. ومن وظائفه نجده: يكشف لنا عن طبيعة العلاقة بين الشخصيتين المحوريتين في النص، وهي علاقة تنم عن اختلاف في المزاج والانطباع، ثم يحرك الحدث ويطوره في اتجاه التصعيد.

كونها ذات طابع حجاجي: وهذا ليس بغريب عن النص المسرحي، لأن مبدأ الصراع الدرامي، القائم على التعارض والتناقض، يستدعي الحجاج لكي يقنع طل طرف الطرف الآخر المخالف له في الرأي أو الموقف، ولكي يستثير القارئ، وتهتز عواطفه وانفعالاته. ويمكن التمثيل لذلك بالمشهد الحواري التالي: ( رابعة: كان هذا في الماضي. ربيع: وقد ودعنا الأيام السوداء إلى الأبد. رابعة: كيف تقول ودعناها...).

كونها تتضمن ما يعرف بأفعال الكلام: ومن جملة ذلك، نجد: الاستفهام ( أما رأيت قناديل الدجى كستها خيوط العنكبوت؟). والأمر (انزعوا نعالكم. هذا أمر انزعوها ودوسوا الشوك بهذه الأقدام الحافية). والنداء ( من يمشي كما أمشي يا ربيعة أبدا لا يسقط). والاستهزاء (كقول رابعة "ولكنك عاطل"). والوعيد كـ (يا حراس: أعلن أمامكم حربي على كل الصعاليك والمتشردين). والتهديد كـ (اذهبي إلى حيث شئت وامطري فسيعود إلى خراجك).

كونها تشتمل على ما يعرف ب "الإرشادات المسرحية". فمنها ما يرتبط ب (المخرج، والممثل، والديكور، والمتفرج، والقارئ)، ولعل هذا ما يميز النص المسرحي عن غيره من النصوص الأخرى، فهذه الأخيرة تكتب لتقرأ، بينما المسرحية لا تكتب لتقرأ فقط، وإنما لتمثل.

كونها لغة تميل إلى الرمز والإيحاء، وذلك من خلال توظيف العديد من الرموز والتعبيرات الثقافية التراثية العربية، من قبيل: ( الخرافات، هارون الرشيد، الأعيان والحجاب، والوزراء، خوارج عصاة، شيعة، برامكة ...) وهذا ما ساهم في تحقيق الخاصية الاحتفالية للنص.

وفيما يخص المغزى، تجدر الإشارة إلى أن مقصدية الكاتب من وراء هذا النص هي: إغناء الكتابة المسرحية الاحتفالية تحديدا، وكتابة نص مسرحي بهوية ثقافية عربية ومغربية، كتابة توظف التراث لخدمة الحاضر. وها هنا ينطوي النص على بعد اجتماعي يتمثل في الكشف عن الوضع الاجتماعي الصعب، والحالة المادية المتردية التي يعيشها المثقف، ومنه الفنان المغربي، وذلك بالرغم من الكفاءة التي قد يتمتع بها، كما ينطوي على بعد نفسي يتمثل في حالة الإحباط وعدم الرضى عن النتائج المستخلصة من الرحلة المسرحية التي كانت، بالفعل، مشؤومة، وهي نفس الحالة التي تنطبق على الجمهور أثناء تلقيه للعروض المسرحية الثلاثة كما يشي النص بذلك.

وأخيرا، يمكن القول، إن هذا النص قد نجح – إلى حد كبير- في تمثيل مقومات وخصائص النص المسرحي الاحتفالي، وهذا ليس بعصي على عبد الكريم برشيد الذي عرف، خصيصا، بهذا الشكل من الكتابة المسرحية، شأنه في ذبك شأن مسرحيين آخرين أعطوا لفن المسرح عموما هويته القومية والمحلية، وذلك باستدعاء التراث الثقافي والفني العربي، والثقافة الفنية القطرية، وتوظيفها لخدمة الواقع والحاضر كما فعل مثلا الطيب الصديقي، وأحمد الطيب لعلج في "مسرح الحلقة" ببلادنا.

اشترك في آخر تحديثات المقالات عبر البريد الإلكتروني:

0 الرد على "تــحــلــيـل نموذج مسرحي (2) "رابعة وربيع والرحلة المشؤومة " – عبد الكريم برشيد"

إرسال تعليق

إعلان أسفل عنوان المشاركة

إعلان وسط المشاركات 1

إعلان وسط المشاركات اسفل قليلا 2

إعلان أسفل المشاركات